اكتب ما تود البحث عنه
المستجدات
جاري التحميل ...
معذرة، الصفحة التي طلبتها غير موجودة.

الأحد، 27 مايو 2018

الدين بين دوره في تشكيل الهوية وخدمة الاستبداد


محمد المحمد: كاتب صحفي سوري

واهم من يعتقد أنّ الدّين أيّاً كان مجرد عبادات وأحكام ومنظومة قيم أخلاقيّة لا يتأثر بالهوية المجتمعيّة لبلد ما، فبعيداً عن الثوابت في أي دين ثمّة متغيرات تراعي أحوال الناس وعاداتهم وليس أدل على ذلك من الإمام الشافعي في العراق والإمام الشافعي في مصر، فالدّين واحد والرجل واحد لكنّ البيئة المختلفة أدّت لتغيّر الاجتهاد، ونريد القول من ذلك أنّ الدّين أيّاً كان يسهم وبقوّة في تشكيل هوية الأمّة ويتأثّر بهويتها، فالمسيحيون بالمشرق يختلفون عن مسيحيي الغرب، ولا ينكر أحد أنّ هذه الهوية لا تتشكّل بين عشيّة وضحاها، فتشكيل الهوية عمليّة تراكميّة معقدة لا تقف عند حقبة زمنية معيّنة تشكلها أمور كثيرة، وقد يستغرب وربما يستهجن كثيرون قولنا إنّ الانتماء لهوية ما يضعف ويقوى تبعاً لأمور كثيرة أهمها الإحساس أنّ هذا الوطن الذي ننتمي إليه وطن للجميع لا لفرد أو جماعة أو طائفة سواء أكانت أقليّة أو أكثريّة، فالهوية الوطنية الحقّة هي التي تجمع الأقليات والأكثرية بغض النظر عن الدين أو الطائفة أو المذهب أو العرق أو اللغة، وهذه حال الهوية السورية قبل حكم البعث 1963م حيث عاش السوريون (مسلمون مسيحيون عرب كرد شركس...)محافظين على دينهم وعرقهم في إطار هويتهم الوطنيّة السورية فاشترك المسيحي مع المسلم في مجابهة الاستعمار الفرنسي وبناء الوطن بعد الاستقلال وأسهم قبل ذلك في عمليّة النّهضة الفكريّة ولم نسأل يوماً عن دين هذا وذاك، كما لم تظهر أية نزعة انفصالية من الكرد أو غيرهم لأنّ سورية وطنٌ جامِعٌ يتساوى فيه الجميع.
تبدّلت الحال وبدأ الانتماء الوطني يضعف مع انقلاب البعث عام 1963م حيث تنكر نظام البعث لحقائق التاريخ والجغرافية والواقع فأعلى من شأن العروبة كذباً ونفاقاً لتحقيق مكاسب سلطوية معينة، وأنكر وجود قوميات أخرى عاشت على هذه الأرض لها ما للعرب من حقوق وواجبات، فبدأ يشعر كثير من أفرادها أن سورية لم تعد وطناً لهم.
ولم يقف الأمر هنا، فالاستبداد الفردي يكيّف الإيديولوجيات لخدمته لا لخدمة الفكرة التي وصل من خلالها للسلطة، وبدا هذا واضحاً مع انقلاب 16 تشرين الثاني 1970م حيث عمل الأسد على صناعة توليفة غريبة عجيبة سخّر فيها البعث العروبي العلماني لتكريس سلطة الفرد، وزاوج بين العلمانية (الأسديّة) والدّين ليخرج لنا بمولود مشوّه يمجّد الاستبداد تحت شعارات العروبة والإسلام.
وكان يقسّم المناصب والوزارات وفق محاصصات مناطقيّة أو طائفيّة أو عرقيّة بعيداً عن أية اعتبارات مهنية تتصل بوضع الرجل المناسب في مكانه المناسب بما يتطلبه المنصب من كفاءة وقدرة، فالاعتبار الوحيد يتمثل بالولاء للفرد "المستبد".
وأعاد بطريقة فجّة ما تحدث عنه المفكر الحلبي السوري عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد من خلال إفساد رجال الدّين وجعل الدّين خادماً للاستبداد مبتعداً به عن وظيفته السّامية الهادفة لإخراج العباد من العبودية للفرد إلى رب العباد، وأدى هذا التوظيف الخطير لنتائج خطيرة على مستوى الهوية السورية الجامعة فطالما شكّل الدين في سورية صمّام الأمان للعيش المشترك لكنّه وقد انحرف عن مهمته فرّخ تيارات لم يألفها السوريون، ولم يخطر في بالهم أن يسير في ركابها سوري يوماً ما، وليس أدلّ على ذلك من تنظيم داعش الذي تسبب في صدع كبير في النّسيج الوطني السّوري نحتاج لسنوات طويلة لردمه، فقد رأى الدواعش كأفراد أنّ علماء السلطان يشوّهون الإسلام لكنّهم نتيجة محاربة السلطة للتيار الديني المعتدل من قبل السلطة الحاكمة وغياب الإسلام الحق الذي يقرّ الاختلاف ويوكل أمر العباد لخالقهم في دينهم انخرطوا في تيار ضلّوا فيه وأضلوا من حيث ظنّ كثيرون أنّهم يصلحون بينما الحقيقة خلاف ذلك.
وذلك التوظيف من المستبد والتشويه من داعش يتطلب منّا مراجعة عميقة لمهمة الدّين مجتمعيّاً باعتباره شيئاً مقدّساً لا يقبل التلاعب به لغايات وأجندات سياسية ومصالح حزبية ضيقة، فالمؤمن الحق ذلك الذي يبني وطناً ويُعين أخاً لا ذلك الذي يمجّد مستبداً، ويرفع لواء التكفير.

شارك الموضوع عبر :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة © 2018 ل Hierapolis | هيرابوليس