اكتب ما تود البحث عنه
المستجدات
جاري التحميل ...
معذرة، الصفحة التي طلبتها غير موجودة.

الاثنين، 21 مايو 2018

أسلمة الثورة السورية




 حسن النيفي شاعر وكاتب سياسي







تكشف لنا دموية المشهد السوري رؤيةَ المزيد من الإشكاليات المتراكمة، والتي كانت مردومة طيلة عقود مديدة من الزمن. ففضلاً عن مشكلة الاستبداد، الذي يُعدّ الإشكالية الأم، ثمة مشكلات أخرى بدأت تتداعى بالظهور عبر تجليات شتى، لعلّ أبرزها (النزعات الطائفية والصراعات القومية وشيوع التطرف الديني واستفحال الإرهاب ... إلخ).
ما يسهم في تعزيز تلك الإشكاليات ليس تجاهلها أو السكوت عنها فحسب، بل مقاربتها من منظورات تحاول النأي عن المشكلة بدلاً من استبطانها، وكذلك إحالتها دوماً إلى أسبابها الخارجية التي تعزّز مفهوم المؤامرة من جهة، وتبرر الشعور بالمظلومية من جهة أخرى، ولعل التمسك بتلك المنظورات يجعلنا على الدوام (نجرّب المُجرّب) كما يقول المثل.
إحدى الظواهر التي شكّلت منعطفاً خطيراً في سيرورة الثورة السورية هي بروز التطرف الديني في أكثر أشكاله قسوة وفظاعة، إذ انحسر النزوع الشعبي الذي أطلق شرارة الثورة مطالباً بالحرية والكرامة، ليحل مكانه نزوع ديني يسعى نحو إقامة دولة إسلامية، متمثلاً بأغلبية الفصائل العسكرية التي تقاتل على الأرض السورية.
ولعلّ هذا الانزياح الخطير للمشروع الوطني الجامع، أو تقهقره، ليحلّ محلّه خطابٌ شمولي قاهر، لم يحظ حتى الآن بالرؤية أو المعاينة التي تتجاوز تخوم المشكلة لتلامس جذورها الاجتماعية والثقافية. لا أدّعي الإحاطة بما يجب الإحاطة به في هذا الكم من الكلمات، ولكن لعلني أكون مساهماً في التحريض على استمرارية البحث في هذه الظاهرة.

ثمة رؤيتان تم من خلالهما مقاربة موضوع التطرف الديني في الثورة السورية، تستمد الأولى مضمونها المعرفي من السمات العامة للإسلام السياسي.

الرؤية الثانية مادتها من الأسباب والمعطيات الخارجية للظاهرة

ثمة رؤيتان تم من خلالهما مقاربة موضوع التطرف الديني في الثورة السورية، تستمد الأولى مضمونها المعرفي من السمات العامة للإسلام السياسي، دون الأخذ بخصائص الجغرافيا أو معطيات الحالة السورية التي نتجت عن سيرورة الثورة. بينما تستمدّ الرؤية الثانية مادتها من الأسباب والمعطيات الخارجية للظاهرة، فهي تركز - مثلاً - على الدور الإقليمي في صنع الإرهاب وكذلك دور المخابرات وخطل السياسات الغربية في مكافحتها للتطرف.
والحق أن مشكلة الجماعات الدينية وتوغلها في المشهد السوري بحاجة إلى رؤية تبتعد قليلاً عن النمطية، وعن المعطيات والأجوبة الجاهزة، وتحاول البحث في الظاهرة من خلال طبيعة القوى المختلفة المتصارعة في الميدان العسكري من جهة، وكذلك من خلال قدرة التطرف على اختراق الحراك الثوري في الداخل السوري، وهذا ما سنحاول مقاربته من خلال معايشات يومية لوقائع الثورة في سورية.
ثمّة مدٌّ إسلامي أخذ في الانتشار في العقدين الأخيرين، يتّسم بالتديّن الفطري ويتخذ من الثقافة الإسلامية امتداداً حضارياً له، لقد عانى هذا الطيف الإسلامي حالة من الإقصاء والاستبعاد بسبب مصادرة السياسة من السلطة القائمة وكذلك من النخب السياسية بآن معاً، الأمر الذي جعل هذا التيار المتدين ينكفىء على منظومته الثقافية التقليدية باحثاً عن طرق مناسبة للتعبير عن الذات. كما وجد هذا التيار في وصول بعض القوى الإسلامية إلى السلطة كما في تركيا وفلسطين ومصر ما يعزز طموحه في تحقيق مشروعه الإسلامي.

ما يميّز هذا الطيف الديني في سوريا تحديداً أن سمته الدينية لم تكن مُستمدّة من بنية إيديولوجية محدّدة

ما يميّز هذا الطيف الديني في سوريا تحديداً أن سمته الدينية لم تكن مُستمدّة من بنية إيديولوجية محدّدة، و لم يكن منتظماً في الأنساق الإيديولوجية للإسلام السياسي، ولعلّ القسم الأكبر من أفراد هذا الطيف لم يطلع على فتاوى ابن تيمية ولا على نتاج الغزالي ولا على حسن البنا أو سيد قطب، وإنما تكوّنت بنيته الدينية من بيئة اجتماعية ذات طبع ثقافي إسلامي تقليدي، وغالباً ما تتداخل المفاهيم في أذهان هذه الشريحة الواسعة، فلا تخوم واضحة - مثلاً - بين الوطنية والدين، أو السياسة والدين، أو مفهوم الدولة ومفهوم الأمة، ولعلّ هذا التداخل بين المجالين السياسي والديني قد حقق تماهياً تاماً لدى هؤلاء بين الواجب الشرعي والواجب الوطني.
لقد عاشت هذه الفئات من السوريين وهي الشريحة السكانية الأوسع في سوريا، عقوداً عديدة في ظل الاستبداد والإكراه والقمع ومصادرة الحقوق، وعندما انطلقت شرارة الثورة في آذار 2011 كانت هذه الفئات هي الأكثر استجابة للتظاهر والاحتجاج في وجه السلطة الحاكمة، لكن هذا التمرد العفوي المنبثق عن احتقان اجتماعي عميق لم يكن منبثقاً عن رؤية تنمّ عن تصوّر ناضج لأيّ مشروع (وطني أو إسلامي)، بل إن ما يجمع بين هؤلاء جميعاً هو رفضهم للظلم الذي مارسته وتمارسه عليهم السلطة، ولكن في الوقت ذاته لم يكونوا يملكون البدائل الناجزة لما هو قائم.
إن دخول الثورة السورية مبكّراً إلى مرحلة العنف استدعى انتظام الأطراف المناوئة للنظام في تشكيلات عسكرية محددة (كتائب صغيرة -فصائل - مجموعات إلخ)، ولئن كان من الصعب جداً تحديد الملامح الدقيقة لكل جسم عسكري من هذه الأجسام، إلا أنه من السهل جداً أيضاً استجلاء معالم مشتركة عامة بين هده المكونات ولعل أبرزها:
1 -عدم خضوعها لقيادة مركزية واحدة، وافتقارها إلى الهيكلية التنظيمية والإدارية.
2 -غياب الرؤية الموحَّدة -الراهنة والمستقبلية - وكذلك غياب المحدّدات العامة لأي مشروع وطني، لدى مجمل هذه التشكيلات.
3 -انعدام الاستراتيجية العسكرية الموجهة لعملها في قتال النظام، واعتمادها على قرارات ارتجالية وآنية تفتقر إلى الخبرة والتخطيط.
4 -غياب الحوامل الثقافية المؤسِّسة للوعي الثوري، الأمر الذي أدى في أغلب الأحيان إلى عدم التمييز الدقيق بين النظام والدولة، مما جعل كل مؤسسات الدولة السورية وبناها الإدارية والتنظيمية مُستهدفة من جانب هذه القوى.
5 -اعتماد هذه القوى على مصادرها الخاصة في التمويل أتاح لها مجالاً واسعاً للتنافس فيما بينها على اقتسام أماكن النفوذ ومصادر المال، الأمر الذي أفضى إلى اقتتال واحتراب شديد، بدافع السيطرة وبسط النفوذ والهيمنة.
6 -إن العديد من حالات التنسيق أو التوحيد أو انضمام بعض التشكيلات إلى بعضها البعض لم يكن نتيجة توحيد الرؤى والتصورات الثورية التي تفرضها طبيعة المواجهة مع النظام، بقدر ما كانت تفرضها دوافع الحفاظ على البقاء من خلال الانخراط في تجمعات كبرى يصعب ابتلاعها.
7 -نفور معظم هذه التشكيلات من أي حراك سياسي مدني، لعدم استيعابها لطبيعة عملية التغيير الاجتماعي التي تحملها الثورة من جهة، وكذلك لاعتقادها بتطفّل العمل السياسي على السلاح من جهة أخرى، وهذا ما جعلها ترى لنفسها الأحقية في قيادة الثورة واتخاذ القرار.

  الهشاشة التنظيمية والإدارية لهذا الحراك، فضلاً عن هشاشة الوعي الاجتماعي والثقافي المحادث لمفهوم التغيير، وسم هذا الحراك بالفوضى العارمة

إن استجلاء هذه المعالم المشتركة بين هذه القوى والتشكيلات يدعونا إلى استخلاص ما يلي:
- لم ينبثق الحراك الثوري المسلح في بداياته من إيديولوجيا دينية صارمة، وهنا يجب التمييز بين الحالة الإيمانية اللازمة للمقاتل كضرورة عقدية ونفسية، وبين العقيدة الجهادية التي تتخذها فصائل الإسلام السياسي. بل غالباً ما انبثق هذا الحراك من عقيدة وطنية فطرية غائمة، هي نتاج ثقافة إسلامية تقليدية تتداخل وتتماهى فيها المفاهيم والتصورات، فلا حدود فاصلة بين ما هو وطني وديني أو شرعي، أضف إلى ذلك العوامل الاجتماعية والقبلية والعائلية ودورها في تحديد الولاءات والاصطفافات.
- الهشاشة التنظيمية والإدارية لهذا الحراك، فضلاً عن هشاشة الوعي الاجتماعي والثقافي المحادث لمفهوم التغيير، وسم هذا الحراك بالفوضى العارمة التي باتت تتحكم فيه، الأمر الذي جعله عرضة لاختراقات كبيرة ومتعددة الأشكال (نظام الأسد - الأطراف الاستخباراتية الإقليمية والدولية - القوى الأصولية المتطرفة إلخ).
وفي موازاة هذا الحراك المسلّح، كان المشهد السوري يشهد حراكاً سياسياً تجسّد في إيجاد كيانات سياسية ممثلة للثورة، فتشكل المجلس الوطني أولاً ثم الائتلاف في آذار من عام 2013 ،وفي الوقت الذي كان يستوجب على المؤسسات الرسمية للثورة أن تلتفت إلى الداخل السوري أولاً لتلتحم في نسيجه الثوري المدني والعسكري، وتسعى نحو تأطيره وبناء هياكله التنظيمية والإدارية من خلال إقامة الجسور والوشائج بينها وبين الداخل الثائر باعتباره مصدر شرعيتها، وكذلك في الوقت الذي كان يمكن للقوى السياسية الوطنية سواء المتمثلة بالأحزاب والتيارات أو المتمثلة بالائتلاف أن تعمل على تزويد الحراك المسلح بالبرامج والرؤى والتصورات وتأمين مستلزمات بقائه المادية والسياسية، بهدف محاصرة حالة التشتت والفوضى التي تنتابه، وتسعى إلى تحويله من حراك وطني فوضوي إلى حراك ينتظم ضمن مشروع وطني واضح المعالم ،إلّا أنها لم تفعل ذلك، لأسباب منها ذاتي ومنها موضوعي، فما إن تشكّل الائتلاف حتى بات النفوذ الإقليمي واضحاً على رسم سياساته، بل على بناء هيكليته في الأصل، وربما كان الدافع الذي جعل الائتلاف غير معنيٍّ بقضايا الثورة الداخلية في بداية تشكيله هو اعتقاده بحتمية الحل العسكري الخارجي السريع على غرار التغيير الذي حصل في ليبيا، فضلاً عن النزوع السلطوي الذي بات يظهر على معظم أعضائه.

في حين كانت معظم القوى والأحزاب والتيارات الأخرى ذات التوجه المدني الديمقراطي عاجزة عن التماهي في الحراك الثوري -سياسياً وعسكرياً- بسبب هشاشة بناها التنظيمية وعدّم تجذّرها في المجتمع السوري

في حين كانت معظم القوى والأحزاب والتيارات الأخرى ذات التوجه المدني الديمقراطي عاجزة عن التماهي في الحراك الثوري -سياسياً وعسكرياً- بسبب هشاشة بناها التنظيمية وعدّم تجذّرها في المجتمع السوري، فضلاً عن عدم قدرتها على إنتاج مشروعات سياسية وثقافية وطنية تسهم في خلق وعي اجتماعي جديد يوازي سيرورة الثورة السورية.

 لم تجد الحركات الجهادية التي توغلت في الأرض السورية صعوبة كبيرة لإقناع طيف سوري واسع بواجب الجهاد طالما هو أصل شرعي تقرّه الشريعة الإسلامية


ولئن سلمنا بأن هذا الطيف من الحراك الثوري كان يمثّل الأغلبية الثائرة في سورية، فإن في موازاة ذلك كان ثمة تياران آخران كلٌّ منهما يحاول كسب هذا الطيف وإقناعه بصوابية رؤيته، بغية توظيف حراكه الثوري سياسياً وعسكرياً لخدمة مشروعه الذي يحمله، وهذان التياران هما:
 -الحركات الجهادية الإسلامية التي انطلقت دون أي ضابط قيمي، وذلك بعد هزيمتها في افغانستان، ووجدت في المسرح السوري والعراقي مجالا رحباً لإعادة نشاطها من جديد، يدفعها إلى ذلك العديد من نقاط القوّة التي تحوزها ولعلّ أبرزها الجانب الديني بعد إفراغه من محتواه الاجتماعي والإبقاء على الجانب العقدي فيه فقط، إذ هي تدرك القدرة العظيمة للدين على التحريض والتجييش والتأثير في العواطف، أي إن قدرة هذه الجماعات على استثمار المقدّس في خدمة السياسة قد أسهم في تسهيل مهمتها في الاستحواذ على القناعات والولاءات. أضف إلى ذلك استغلال هذه الحركات أو الجماعات لفشل السياسات الغربية وعلى رأسها السياسة الأمريكية في محاربة الإرهاب، إذ مازالت الإدارة الأمريكية - من خلال حربها على الإرهاب - مصرّةً على البحث في أصول التطرّف في نشاط الجمعيات الخيرية والمناهج التعليمية الإسلامية وبقايا حزب البعث في العراق، وغير آبهة على الإطلاق إلى طبيعة سياساتها حيال القضايا الإسلامية والعربية التي ولّدت الحقد والكراهية تجاهها على مدى عقود طويلة من الزمن.
لم تجد الحركات الجهادية التي توغلت في الأرض السورية صعوبة كبيرة لإقناع طيف سوري واسع بواجب الجهاد طالما هو أصل شرعي تقرّه الشريعة الإسلامية بحسب ما يرى الإسلاميون، وكذلك لم تكن هذه الحركات شديدة الحاجة إلى بيان رؤيتها السياسية وبيان طبيعة الدولة التي تنشدها، طالما أن هناك أصلاً ونموذجاً مُفترضاً لدولة إسلامية يحكمها شرع الله.
لقد استطاعت القوى الإسلامية المتطرفة تطويق واستيعاب الحراك العسكري الوطني (الجيش الحر)، وكذلك استطاعت إلى حدّ بعيد كبح المدد الثوري المدني في الداخل السوري بفعل عوامل أساسية تمتلكها بقوّة، بينما يفتقر إليها الطرف الآخر:
- فهي تمتلك (المشروع) الذي تسعى لتحقيقه، على الرغم من أن هذا المشروع ينبثق من تصوّر عقدي أكثر مما ينبثق عن تصور دنيوي اجتماعي.
- كذلك تمتلك الحوامل الرمزية والوجدانية لهذا المشروع، ويتمثل في خطاب ديني مازال يحظى بقوّة تأثيره على أطياف واسعة من المجتمع السوري.
- امتلاكها للمال الوفير والقوّة العسكرية والقدرة على التعبئة الدينية أتاح لها تذويب الكثير من التشكيلات العسكرية الوطنية، تارة بالإكراه وتارة أخرى بالإغراء، الأمر الذي أفسح لها المجال أكثر للتمدد الجغرافي وسيطرتها على مساحات واسعة من الأرض السورية.

ولعلّ المسألة الأهم بالنسبة إلى الجماعات الجهادية في سوريا تكمن في استراتيجيتها التي لا تلزمها على الدوام بمواجهة قوات النظام


- ولعلّ المسألة الأهم بالنسبة إلى الجماعات الجهادية في سوريا تكمن في استراتيجيتها التي لا تلزمها على الدوام بمواجهة قوات النظام وحصر نشاطها في قتاله، بل غالباً ما كان يظهر تحاشيها لجبهات قوات الأسد، وانهماكها باستنزاف الجيش الحر، بل ربما أيضاً نلاحظ تبادلاً غير مباشر للمصالح وأحياناً تعاوناً لوجستياً واضحاً بين الطرفين، ولعلّ هذه الاستراتيجية في المواجهة مستمدّة من طبيعة مشروعها العابر للقارات والذي لا يتحدّد في إطار وطني ذي بُعد جغرافي محدد.
وتبقى مسألة الاستيلاء على السلطة هي المهمة الأهم بالنسبة إلى الإسلاميين، باعتبارها الاستراتيجية الأساسية التي تمكّنهم من بناء الدولة، وليس بالضرورة بناء المجتمع.
أمّا التيار الثاني فهو الذي تنضوي تحته مجمل القوى الاشتراكية والليبرالية والقومية، وهي في مجملها تنتمي إلى مكوّنات حزبية تقليدية، حاولت اللحاق بالثورة أو مواكبتها، ولكن كان يرهقها إرث ثقيل تمثّل في إخفاقات متوالية منذ نهاية الخمسينيات في القرن الماضي، فضلاً عن أن الإيديولوجيا التي تحملها تلك القوى كانت هي ذاتها المموّل الرمزي لكل أشكال القمع والإرهاب والظلم التي كان يمارسها نظام الاستبداد في سوريا بحق المواطنين.
لقد أفاقت القوى العلمانية على صوت الثورة ولم يكن بحوزتها ما بحوزة خصومها الإسلاميين من نقاط القوّة، فالإسلاميون يمتلكون رأسمالاً رمزياً مازال يحتفظ بوهجه طالما أنه في طوره الافتراضي، ومازال قادراً على التجييش وشحن العواطف، أمّا العلمانيون فقسم كبير منهم هم ورثة إيديولوجيات شائخة، لم يُحسنوا ترجمتها فعلياً عبر التاريخ، وكذلك لم يستطيعوا-في الراهن - إعادة إنتاجها وتكييفها وفقاً للواقع المعاش، فبدلاً من أن تلهمهم التحولات الاجتماعية حافزاً لتجاوز سطوة الإيديولوجيا والانفتاح على آفاق معرفية تمكّنهم من استيعاب حاجات الواقع وحيازة آليات التفكير الجديدة والسليمة للتفاعل معه، فقد ظلوا - في غالبهم - وعلى مختلف انتماءاتهم - أصحاب خطاب متعالٍ، يرفض الانبثاق من الواقع والتصالح معه، خطاب مازال يستمدّ زهوه من الذوات التي ترفض الاعتراف بالفشل وتعتقد أنها متعافية، بينما هي تعيش لحظات احتضارها.

لم ينجز البديل الأفضل، وهذا ما يجعل قوى الإسلام السياسي اليوم تعتقد أن مشروعاتها الافتراضية مازالت قابلة للاستثمار.

إن دعوة القوى العلمانية إلى بناء الدولة الحديثة واستلهام مفاهيم الديمقراطية والمواطنة وسيادة القانون لم تقترن بنشاط ثقافي يؤسس لهذه الدعوة، وكذلك لم تقترن ببرامج ومشروعات حزبية أو سياسية تتوجه إلى المواطن ملامسةً قضاياه وإشكالاته الحياتية، بل كانت تحاول التعالي عليه عبر انشغالها بقضايا فكرية وسياسية عابرة للأذهان والوقائع معاً.
لقد استطاعت الحركات الجهادية استغلال الموروث الديني والثقافي في التبشير لمسعاها في حيازة السلطة، وتمكّنت أيضاً من اختراق الحراك الثوري والعسكري السوري، وكان لها أثر كبير في تشعّب القضية السورية على المستوى السياسي إقليمياً ودولياً، كما منحت المجتمع الدولي إيهاماً كبيراً بأن ما يجري في سوريا ليس ثورة شعبية وإنما اقتتال داخلي بدوافع طائفية وقومية، وكذلك استطاعت التوغّل إلى وجدان شريحة واسعة من أصحاب التدين الفطري، ليس لجدوى وصوابية في الرؤيا، وإنما نتيجة فشل الطرف الآخر (الخصم) الذي لم ينجز البديل الأفضل، وهذا ما يجعل قوى الإسلام السياسي اليوم تعتقد أن مشروعاتها الافتراضية مازالت قابلة للاستثمار.




شارك الموضوع عبر :

هناك تعليق واحد:

  1. جزاك الله خيرا أستاذ حسن جسدة الواقع التي مرة به الثورة السورية بتفاصيل لم يكن أغلب الشعب مطلع عليها أو فاهم ما يدور بها من تسيس ممنهج

    ردحذف

اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة © 2018 ل Hierapolis | هيرابوليس