اكتب ما تود البحث عنه
المستجدات
جاري التحميل ...
معذرة، الصفحة التي طلبتها غير موجودة.

الاثنين، 21 مايو 2018

جغرافيا النصّ الشّعريّ



عبر تاريخ الآداب ، وبالعودة إلى النصوص وتناول مفرداتها من الناحية الرمزية والناحية التصويرية ، وعند دراسة التشبيهات التي كان يستعين الأديب بها ليترجم أحاسيسه المجردة المكنونة تارة ، وليقرب المعاني للقارئ تارة أخرى ، نجد - وهذا ما اتفق عليه الدارسون - أن الأديب ابن بيئته .
يستلهم الأديب تصاويره من بيئته المحيطة ، وتتأثر كلمته بتضاريس هذه البيئة ومناخها ، وهذا الأمر يعتبر أحد أهم مميزات أدب عصر عن آخر .
فبالعودة إلى العصر الجاهلي نلمس قساوة المعنى وشدة اللفظ ، حيث اتسمت القصيدة آنذاك بقالب يكاد يكون منفردا لا تقبل القصيدة إلا بإلتزامه ، فكان الشاعر يقف في مطلع قصيدته على الأطلال ، ثم ينتقل إلى غرضه من النص مثل الوصف أو الرثاء أو الغزل أو المدح وغيرها من الأغراض الشعرية المعروفة .

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِــيبٍ ومَنْزِلِ

بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْـنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ

فَتُوْضِحَ فَالمِقْراةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهــا

لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وشَمْـــــألِ

تَرَى بَعَرَ الأرْآمِ فِي عَرَصَاتِهَـــا

وَقِيْعَـانِهَا كَأنَّهُ حَبُّ فُلْفُــــــــــــلِ

كَأنِّي غَدَاةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُـــــــوا

لَدَى سَمُرَاتِ الحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَـلِ

وُقُوْفاً بِهَا صَحْبِي عَلَّي مَطِيَّهُــمُ

يَقُوْلُوْنَ لاَ تَهْلِكْ أَسَىً وَتَجَمَّــــلِ

وإِنَّ شِفـَائِي عَبْـرَةٌ مُهْرَاقَـــــــةٌ

فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ

وكان النص يمتلئ بالألفاظ الصعبة والتي لايمكن فهمها في وقتنا الحالي دون الاستعانة بالمعاجم ، وربما لايمكن قراءتها بالشكل الصحيح في بعض الحالات .

وبعد نزول القرآن بدأ العصر الإسلامي - كما يسميه الدارسون - وبدأ يظهر تأثر النص الأدبي بالنص القرآني ، وتغيرت معه خارطة هذا النص وما يحويه من صور وتشبيهات .
تظل جيــــــــــادنا متمطرات
تلطمهن بالحمر النســــــــــاءُ
فإمّا تعرضوا عنا اعتمرنـــــا
وكان الفتح, وانكشف الغطـاءُ
وإلا, فاصبروا لجِـــــلادِ يـومٍ
يعز اللهُ فيه من يشــــــــــــاءُ
 إلّا أنّ البيئة لم تتغير كثيرًا عما كانت عليه في العصر الجاهلي بسبب قرب الحالة المعيشية بين العصرين .

بدأ يظهر التغير الكبير في خارطة النص زمن الحكم الأندلسي ، بعد الرخاء الذي شهدته بيئة الأديب من قصور وحدائق وحياة مدنية بعيدا عن قساوة الصحراء ، فظهرت الصور البيانية العذبة وانتشر وقتها شكل شعري جديد سمي بالموشحات .
جــادك الغيــث إِذا الغيـث همـى = يــا زمــان الــوصل بــالأَندلسِ
لـــم يكــن وصْلُــك إِلاّ حُلُمًــا = فــي الكــرى أَو خُلسـة المخـتَلِسِ
فــي ليــالٍ كــتَمَتْ سـرَّ الهـوى
بــالدُّجى لــولا شــموس الغُـرَر
مــال نجــمُ الكـأس فيهـا وهـوى
مســـتقيمَ السّــيرِ سَــعْدَ الأَثَــــرِ
وطَـرٌ مـا فيـه مـن عيـبٍ سـوى
أَنّـــه مـــرّ كــلمْح البصَـــــــــرِ

استمرّ هذا التطور الحضاري من عصر إلى آخر, وتغيرت معه القصيدة شكلاً ومضمونًا حتى ظهر ما يسمى بشعر التّفعيلة لدى المحدثين ، وتنوّعت مع هذا التطور توجّهاتُ الأدب, فظهر أدب الأطفال وأدب المهجر والأدب الوطني ، وتغيرت خارطة النص مع مرور الزمن .
حتى وصلنا إلى وقتنا الحالي الذي لم يشهد تطورا كثيرا سوى انتشار ما يسمى بالقصيدة النثرية وقد أنكرها كثير من الدارسين ، إلا أن هناك ما يميز النص لدى أدباء اليوم وتظهر معه ملامح شخصيتهم الأدبية وخارطة نصوصهم .
هذا المميز يتلخص في مدى ثقافة صاحب النص وبأي مدرسة أدبية يتأثر ولمن يقرأ من أدباء العصور السابقة ، فنجده يلبس ثوبا جاهزا بحسب ما يراه مناسبا له أو يميل إليه .
أدى ذلك إلى ظهور ما يسمى بالمدارس الشعرية فتوصف نصوص أحدهم بالنزاريات_نسبة إلى أسلوب نزار قباني_ وتوصف نصوص آخر بالشوقيات_ نسبة إلى أخمد شوقي_ ولا ندري كيف ستكون جغرافيا النص مستقبلا وماهي حدود خارطتها لكنها ستتغير لا محالة .

أ. أيمن الجبلي
رئيس رابطة اللغة العربية في مرسين





شارك الموضوع عبر :

هناك تعليق واحد:

اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة © 2018 ل Hierapolis | هيرابوليس