اكتب ما تود البحث عنه
المستجدات
جاري التحميل ...
معذرة، الصفحة التي طلبتها غير موجودة.

الاثنين، 14 مايو 2018

بيت الشــعـر البدوي


حماية التراث السوري

مقدّمة:
مع بدء الحرب في سوريا, بدأت مهنة النسيج على النول اليدوي بالاندثار في ظل عزوف كثير من أصحاب هذه الحرفة عن العمل بسبب التهجير أو النزوح إلى خارج البلاد مما يشكل تهديداً حقيقياً للحرف اليدوية في سوريا, وأهمها التراث اللامادي, مثل النول وصناعة الزجاج والنحاسيات وغيرها من الحرف التي تًعرف سورية بعراقتها والدقة في صناعتها, وغالباً ما تكون هذه الحرف متوارثة من الآباء والأجداد، ويعتبر العامل الاقتصادي أحد العوامل الرئيسية التي تهدد مهنة النسيج (النول اليدوي) بالاندثار.
 فالظروف الاقتصادية للسكان وصعوبة تأمين المواد الأولية، أدت إلى إغلاق العديد من مشاغل النسيج اليدوي في بلدنا الحبيب سوريا، ومن المناطق التي تشتهر في صناعة النسيج اليدوي, مدينة أريحا السورية. 
نبذة تاريخية و تراثية:
يذكر أن مدينة أريحا في إدلب، حاضنة لحرفة (النول اليدوي) في الشمال السوري، ويعود تاريخها في أريحا إلى القرن السابع عشر الميلادي، ففي العهد العثماني شهدت أوج ازدهارها, وكان لها شهرتها وسوقها الخاص، وكان المُعلِّم (شيخ الكار) هو المرجع لأرباب الحرفة فيما يواجهون من مشاكل، حتى نالت بعض الأسر في أريحا شهرتها بهذه الحرفة في نهايات العهد العثماني، كما تعدّ سورية بصورة عامة من أشهر دول المنطقة والعالم في صناعة النسيج اليدوي، التي تصنع على الأنوال اليدوية، وتحولت هذه الأخيرة إلى تراث نسيجي يدوي فريد، وقد تميّز النول السوري ببصمة فنية خاصة أعطته هويته الشخصية، وعليه فإن حرفة النسج على النول حرفةٌ يدوية حيث يعد ابتكار النول نقطة التحول في لباس الإنسان الأول من الجلود إلى لباس الأنسجة، ولم تُحدد المعطيات التاريخية والأثرية زمان ومكان ظهور أول نول نسيج بدقة، إلّا أن أول نول يدوي عُثر على أدلة عنه عُرف في مدينة (دمشق)، حيث تُشير الكتابات الأثارية القديمة إلا أنّ الحرفيين السوريين هم سادة صناعة النسيج منذ 4000 سنة ق.م، أما في مملكتي ماري وإيبلا, واشتهرت صناعة النسيج من الكتان والصوف، كما اشتهر كنعانيو الساحل السوري أو من يسمون الفينيقيين بابتكارهم للأنسجة الملونة بالأحمر الأرجواني في الألف الأول قبل الميلاد، وفيما بعد حافظ الحرفيون في سورية على شهرتهم في صناعة المنسوجات المتنوعة في عهد الرومان وفي العصر الإسلامي, حيث طوّروها عبر العديد من التصاميم.
 وبعد التقصي عن هذه الحرفة في مدينة أريحا السورية تبيّن لنا أن الحرب في سوريا أدت لإغلاق ما يقارب 20 مشغلاً للنسيج اليدوي في أريحا تضم 150 نولًا، كانت تُعيل ما يزيد عن 400 عائلة, مما أدى الى نقص في المنتجات اليدوية لهذه الحرفة العريقة من البسط والمدّ العربي وبيت الشعر البدوي والسجاد المزخرف بدقة عالية من الفلكلور السوري الذي يعبّر عن التراث السوري العريق، كما تساهم في ازدياد مستوى البطالة بسبب اغلاق هذه المشاغل التي كانت تصدّر المنتجات للأسواق السورية والعربية, حيث عُرف من أسماء المنسوجات السورية ما يزيد على 100 نوع، ومن أشهرها (الدامسكو- الديباج- البروكار- الأغباني - النبجاني). 
جولاتٌ و حوارات:
ومن خلال جولتنا الميدانية في مدينة أريحا السورية التقينا بالعم صالح الذي يبلغ من العمر 65 عاماً حيث استقبلنا في منزله الصغير المتواضع، يذكر أن العم صالح متقن لحرفة النسيج اليدوي وصناعة بيت الشعر البدوي. وبدأنا بالحديث مع العم صالح حيث أعرب عن شغفه للعودة الى دفّات النول الخشبية والعمل في صناعة بيت الشعر البدوي وقال العم صالح: أنا لم أعمل في الحرفة منذ بداية الثورة السورية بسبب قلة طلبها في السوق التجارية. والجدير بالذكر أن العم صالح هو الحرّيف الوحيد المتقن لحرفة صناعة بيت الشعر البدوي في المنطقة. وقال أنه في السابق كان لديه عاملين حاول أن يعلمهما الحرفة ليكونا في المستقبل حرفيين يتقنان الحرفة ولكن للأسف قد اُستشهدا في القصف الذي تعرضت له مدينة اريحا من قبل النظام ( كما ذكر العم صالح أنه يتمنى لو يجد من يساعده في تفعيل النول الذي يمتلكه لتعليم فئة من الشباب لكي يحافظ على الحرفة ويحميها من الاندثار معولاً على همة الشباب. وذكر لنا العم صالح نقطة مهمة حول الفرق ما بين نول صناعة النسيج اليدوي ونول صناعة بيت الشعر حيث قال هناك فرق كبير بين النولين و ليس بالضرورة أن يكون المتقن للنول المنتج للبسط والمد العربي أن يكون متقنًا للعمل في نول صناعة بيت الشعر وبالعكس ...لكل نول حريف ومعلم وشيخ كار. 

اقتباسات:
ومن النقاط المهمة التي ذكرها أن العمل على النول الخاص بصناعة بيت الشعر يحتاج الى الصبر الطويل حيث تحتاج صناعة بيت الشعر لأيام طويلة حسب المساحة المراد حياكتها, مضيفاً على ذلك امتلاك الحريف المهارة الفنية والإبداع والابتكار والذوق الرفيع لصناعة بيت الشعر. وخلال حوارنا الشيق والممتع مع العم صالح طلبنا منه أن يصف لنا بيت الشعر والاستفادة من معلوماته التي تعد مرجعاً في التراث الشعبي، حيث بدأ بالوصف بأبيات من الشعر قد حفظها من أبيه:
لبيتٌ تخفقُ الأرواح فيه           أحبّ  إليّ من قصرٍ منيفِ
ولبس عباءة و تقرّ عيني        أحبّ إليّ من لبس الشفوفِ 
 وهذه الأبيات الشعرية من ميسون بنت بحدل الكلبي إحدى زوجات معاوية بن أبي سفيان، عندما استقدمها إلى عاصمة الخلافة الإسلامية دمشق، حيث أقامت مع معاوية وأسكنها أجمل قصور دمشق إلا أنها ضاقت بها و أنشدت تلك الأبيات. 
وقد عرف الآباء والأجداد بيت الشعر منذ القدم، وكان هو وسيلة السكن الوحيدة للكثيرين، خصوصًا سكان البادية، ورغم مكوناته البسيطة إلا أن استخداماته تتجاوز السكنى فيه لتتعداها إلى كونه معقل الكرم والجاه والعز وعقد لواء الغزو وقرارات القبيلة الحاسمة ومحكمة العرب. 
وقال العم صالح أن للبدو أعراف وتقاليد ارتقت إلى درجة حرمات وقواعد ولا ينبغي لأحد أن يتجاوزها إلا الحدث السفيه, أو الجاهل وغير ذلك يعاقب من يتجاوز القواعد والحرمات,  مثال على ذلك لا يجوز دخول البيت إلا من الأمام أي من مقدمة الشق، ولا يجوز القفز عن أحد حبال البيت التي تشده أو قطعها لأن ذلك جريمة في العرف البدوي يعاقب عليها الفاعل، والذي يدخل البيت من خلفه أو من تحت " الرواق" لا يكون إلا سارقًا أو مريدًا للشر. 

وصف بيت الشَّعر البدويّ:
وبالنسبة لصناعة بيت الشعر فيقول العم صالح أنه يصنع من شعر الماعز كليًا ويدخل الصوف بنسبة بسيطة جدَا في صناعة لحمة النسيج, ونحن فريق التحري والاستقصاء قمنا بقراءة بعض المراجع وزيارة بعض المواقع الإكترونية للإطلاع والتدقيق في وصف بيت الشعر البدوي. 
ويتكون منه الظهر والأروقة والرفة والأعمدة والحبال، وبالنسبة للُشقة بضم الشين يكون عرض الواحدة منها 60 -70 سم بطول قد يصل الى 12 – 16 مترًا, ويتألف ظهر البيت أو السقف من 5 -7 قطع من الشقاق أو الشقق ليتراوح عرضه ما بين 3 – 5 أمتار أو قد يزيد الى 7 امتار أحيانا، وتخاط الشقق بعضها الى جانب بعض لتشكل ظهر البيت، وتقطع الشقق بالعرض قطعا من النسيج بعرض 15 – 20 سم لحمل البيت وتسمى " طرايق" ومفردها " طروقة"، وتستخدم لحمل البيت وزيادة قوته كي لا يتهدّل، وهي بمثابة الجسور لتقوية جدران المنازل, ويكون عددها حسب طول البيت إذ تتراوح ما بين 3 الى 8 طرايق. أما الغطاء الخلفي للبيت فيسمى الرواق, ويتألف من قطعتين السفلى منها تسمى" بالرفة والقطعة العليا تسمى بالرواق ويتراوح عرضها ما بين 60 – 70 سم ويزين الرواق من وسطه خط نسيجي بعرض 15 سم باللون الأبيض الناصع ويصنع من القطن ويحبك من ضمن النسيج الكلي للرواق. وهنالك شقاق من أمام بيت الشعر يسمى بالساحة وتشبك جميع هذه القطع بظهر البيت من بدايات أطرافه بواسطة أعواد مستدقة الأطراف على شكل المسامير تسمى بـ"الخلة" ومفردها " خلال" وهو عود من شجر الرتم أو الطرفا يدبب أحد طرفيه ليعمل عمل المشبك أو المسمار لربط الشقق مع ظهر البيت، وتشد اطراف البيت بعدد من الحبال تربط في نهاياتها أوتاد خشبية أو حديدية تعمل على تثبيته. ويقوم البيت على عدد من الأعمدة الخشبية المأخوذة من أشجار العرعر أو الصفصاف تكون بطول يقترب من المترين ويزداد عددها طردًا مع مساحة البيت ويكون ترتيب الأعمدة ثلاثيًا بعرض البيت ويزداد عددها طولًا حسب طول البيت، فيسمى البيت ذو التسعة أعمدة بـ"القطبة" بفتح القاف أي أن مساحة البيت تكون ثلاثة أعمدة في ثلاثة و"المدوبل" يكون ثلاثة أعمدة عرضًا وأربعة طوال ويزداد عدد الأعمدة حسب حجم البيت وبالنسبة لأسماء الأعمدة فإنها تحمل أسماءً مميزة, فيبدأ من أحد أطرافها فيسمى العمود الأول من الأمام بـ" المقدم" والعمود الأوسط "بالطنب" والثالث في الخلف يسمى بـ" الوخراني" والتي تليها من الأعمدة يسمى االوسط منها بـ"الواسط" وهو في الجهة االأمامية من البيت ويطلق عليها البدو اسم العامر وتكون كل ثلاثة أعمدة تحت "طروقة من الطرايق" وتوضع بين رؤوس الأعمدة والطرائق من الداخل ما يسمى بـ"الواوية" وهي خشبة مستطيلة بمساحة 15-20 سم مثقوبة بثقب غير نافذ من الوسط لتجنب اختراق االعمدة للبيت, وبالنسبة للواسط وهو العمود االوسط لبيت الشعر يخرج من ذلك العمود فرع ليشكل مشجبا يعلق عليها صاحب البيت الحاجات الثمينة كالسيف أو الشبرية أو البندقية. 
ويربط كل طروقة حبلان من أمام البيت وخلفه، أما جوانب البيت فتشد بثلاثة حبال من كل جانب. ويقسم بيت الشعر إلى قسمين بواسطة قطعة من النسيج جميلة الشكل تسمى بالساحة، ويكون القسم الأكبر في العادة هو الشق، وهو مكان استقبال الضيوف وجلسات الرجال العادية، والقسم الثاني يسمى المحرم وسمي بذلك لحرمة الدخول إليه من غير افراد العائلة, ويخصص للنساء والأطفال، ويكون في الرواق طولًا كافيًا بحيث يغلق مدخل البيت حين اشتداد الرياح والبرد ويرفع على ظهر البيت أثناء القيض واشتداد الحرارة. ويفرش الشق بكسر الشين بالفراش الوثير وتحفر جورة بالوسط تشعل فيها النيران وتصنع فيها القهوة العربية ويقدم القرى للضيوف في الشق أيضًا، على أنه في الغالب يكون بيت شيخ العشيرة هو الأكبر حجمًا, وينصب في مكان ظاهر للعيان حتى يراه الضيوف، ولا يتوسط بيت الشعر بقية بيوت أهل العشيرة ويرفع أحد حبال البيت على عمود أطول من سواه من الأعمدة ليكون إشارة على أن هذا البيت مكان لاستقبال الضيوف. 

تطوّر طرق صناعة و بناء بيت الشعر البدوي:



البيت الملكي... هكذا يطلق على بيت الشَّعر البدوي الحديث حيث ساهمت العديد من الشركات في تحديث وتطوير النموذج القديم لبيت الشعر، وخاصة في دول الخليج حيث أصبح الزائر يتمتع بمشاهدة بيوت الشعر المصنوعة بالدقة المتناهية وعالية الجودة كما تستطيع هذه الشركات صنع أي بيت شعر بأي مقاس ولون وفق تصميم وطراز حديث. 

ختامًا:
وقي ختام اللقاء مع العم صالح قال: علينا الحفاظ على الحرف التقليدية ومنها النسيج اليدوي(النول). حيث تعدّ هذه الحرفة من المهن التقليدية في سوريا, وهي من أهم المورثات الثقافية والحضارية المرتبطة بالفنون الشعبية والتراث الثقافي اللامادي, والتي تجمع بين الفن التشكيلي والجمال الرائع وبين الثقافة والتاريخ الأصيل المستمر فهي إرث متجدد يرافق كل عصر, لأنها تحمل البعد الثقافي والاجتماعي والاقتصادي في سوريا الحبيبة. 
وانطلاقاً من الواجب الذي يقع على عاتق كل فرد سوري في الحفاظ على عبق الماضي والحاضر وربطه بالمستقبل من أجل حماية التراث السوري(اللامادي_ المادي)  من الاندثار بسبب الحرب في سوريا الحبيبة, مما يوجب علينا كالفعاليات والمثقفين والمنظمات التي تُعنى بالشأن السوري وتهتم في حماية التراث الثقافي السوري في إعادة وإحياء هذه المهنة (النول) من الاندثار والتي تعتبر إرثاً عريقاً ورَّثه لنا الآباءُ والأجداد.

رضوان الخالد 

شارك الموضوع عبر :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة © 2018 ل هيرابوليس الأخباري | Hierapolis