اكتب ما تود البحث عنه
المستجدات
جاري التحميل ...
معذرة، الصفحة التي طلبتها غير موجودة.

السبت، 30 يونيو 2018

لا نريد تركيا سلطنة ولا أردوغان سلطانا



        الحقوقي عمر حمود                                                                                                   



لطالما كان الحنين إلى الماضي متنفسا للعاشقين الذين فقدوا أو خسروا أحبتهم، وما الوقوف على الأطلال إلا تعبيرا صارخا على ذاك الشوق الذي حير صاحبه. وكأن هذه المسألة ليست خاصة بالعشاق وحسب، فكذلك الشعوب الفاقدة للحاضر والتي تتخبط يمنة ويسرة في رؤية مستقبلها تقف كذلك على أطلال تاريخها الغابر، وكما يشبع النظر إلى مكان كانت الحبيبة تقف أو تعيش فيه شغف العاشق وشوقه، كذلك شعوبنا يشبع نهمها بالخروج من التيه الذي تحياه، موقف تاريخي لسلطان تجاه عدو خارجي، أو لمحة زاهدة لحاكم كان تحت يديه دنانير بيت المال ودراهمه، أو وقفة شجاعة لعالم في وجه الظلم والظالمين 

وكأنه من المنطلق ذاته، تجد المعارضين لأردوغان أو المؤيدون له على حد سواء، يتخذون مقارنة أردوغان بالدولة العثمانية معينا لهم لإثبات وجهة نظرهم، فمن يؤيده يتمنى ويعتبر أن أردوغان يسير لاستعادة أمجاد الدولة العثمانية الضائعة، ومن يعارضه يعتبره بعيدا جدا عن تلك الأمجاد مقارنين بين مواقف أردوغان ومواقف سلاطين بني عثمان.
لا نريد لأردوغان أن يكون سلطانا عثمانيا ولا نريد لتركيا أن تكون سلطنة عثمانية، فأردوغان وتركيا تجاوزا السلاطين والسلطنة العلية بأشواط وأشواط في كل المجالات، وما الوقوف على أطلال الدولة العلية إلا نتاج السيطرة المشاعرية على تفكير  الأمة، وهذا يبرز أحد أبرز مشاكل تفكيرها، إذ لم تبلغ بعد حتى اليوم النضج الكافي في عملية التعاطي مع القضايا السياسية.


وللمقارنة بين تركيا حاليا وبين الدولة العثمانية، سنسلط الضوء على قضيتين مهمتين تؤخذان بعين الاعتبار في عملية قياس رقي المجتمعات وقوة الدول.
ولكن قبل البدء في هذه المقارنة، لا بد من لفت الانتباه إلى أمر مهم جدا، وهو أن الدول والشعوب لا تقاس بقوانيها الداخلية الجزئية، فكل مجموعة من الناس حتى تلك التي تعيش الحياة البدائية المطلقة، يمتلكون مجموعة من العادات والقوانين تنظم شؤون حياتهم، صحيح أن تلك القوانين تختلف باختلاف وجهات النظر عن الحياة، وهذا امر طبيعي، إلا أن تطبيق أعظم قوانين العقوبات عدالة ورقيا مثلا، لا يؤثر في مدى قوة الدولة وفعاليتها على الساحة الدولية.

أما القضية الأولى  

فإن الشعب في تركيا حاليا يملك زمام أمره كاملا، فهو ينتخب من يشاء ليحكمه، ويمارس هذا الحق المقدس بكل حرية وشفافية، ويعود الفضل في هذا الأمر إلى أردوغان وحزبه، إذ هو من أقصى المؤسسة العسكرية عن التدخل المباشر وغير المباشر في شؤون الحكم، وقام بخطوات جريئة في هذا المجال على صعيدي الأمن الداخلي والقضاء. وهذا ما كان مفقودا أيام بني عثمان، لا بل في كل مراحل تاريخنا، إذ كانت مجموعة من العائلات تغتصب سلطان الأمة وتتصرف به كما تشاء، وكذا كان آل عثمان يتصرفون بسلطان الأمة تصرفهم بأملاكهم الخاصة، قيتنافسون عليه ويقتل بعضهم بعضا للحصول على السلطة.
إن الحديث عن السلطة ليس أمرا جانبيا يمكن أن يمر عليه مرور الكرام، بل هو في صلب البحث عن ماهية الدولة المجتمع، فالسلطة إن لم تكن بيد الشعب حقيقة يمنحها لمن يشاء، فنحن نكون أمام مشهد استعباد حقيقي لهذا الشعب، فالحاكم الذي لم يمنحه شعبه السلطة، يتصرف على أساس أنه يملك السلطة والشعب معا، والشعب الذي لا يملك سلطانه هو شعب مقيد بأغلال القمع كما هو واقع معظم شعوبنا، أو بأغلال الفكر وبعض الفتاوى التي لا تجيز الخروج على السلطان حتى ولو اغتصب السلطة والحكم.
فلا نستطيع أن نقارن بين انتخابات تركيا النزيهة، وبين عمليات انتقال السلطة في الدولة الإسلامية بطريقة الوراثة السايسية، أو بين عمليات الانتقال الدموية للسلطة بين عائلة واخرى وحتى بين أخ وأخيه. فنحن لا نريد سلطنة تعيد اغتصاب السلطان، بل نريد للسلطان أن يبقى بيد الشعب، لأنه الضمانة الوحيدة والأكيدة لقدرة الشعب على إحداث التغيير المنشود إن اقتضى الأمر ذلك.
 فلو خيرونا بين حكم الإسلام مع سلطان مغتصب وحكم غيره مع بقاء السلطان للأمة، لكان خيار الواعي سياسيا، العارف بقضايا المجتمع وأنظمة الحكم، والمتعمق بقوة الدولة على الصعيد الداخلي، والباحث عن نهضة حقيقة لأمته ومجتمعه، لكان خيار هذا هو بقاء السلطة بيد الشعب حقيقة ولو غاب حكم الإسلام.

وأما القضية الأخرى 

فهي مقاربة الدولة والحكام فيها للهجمة الخارجية التي تستهدف كيان الدولة، وإذا ما قارنا بين تركيا حاليا وبين تركيا السلطنة، سنجد البون الشاسع في عظم وقدرة وقوة تعاطي أردوغان، وتخاذل وعجز وضعف تعاطي الدولة العلية، ففي حين كانت تركيا اردوغان تحمي تركيا من الهجمة العنيفة عليها، كجزء من الهجمة على المنطقة برمتها لإعادة صياعتها صياغة جديدة. هذه الهجمة على تركيا والتي بدأت بتقوية أكراد سوريا وتوجيههم لإقامة كيانهم الكردي، والذي إن تم بمقومات دولة حقيقية سيكون الضربة القاضية لوحدة تركيا، إذ يصبح تمزيق تركيا مسألة وقت وحسب، واستكمال هذا الهجموم بمحاولة الانقلاب الفاشل، والذي كان هدفه إضعاف تركيا وبالتالي استسلامها للمشيئة الأميركية ومشروعها في سوريا والمنطقة، نجد أن أردوغان نفسه وقاعدته الشعبية القوية التي دفعت كل أطياف المجتمع التركي لمؤازرة أردوغان وإنقاذ تركيا بإفشالها هذا الانقلاب المدعوم أميركيا.
ولم يتوقف أردوغان عند إفشال هذا الإنقلاب، بل أدرك إنها الفرصة المناسبة لتقوية الدولة والمجتمع وتطهير كل الأجهزة الحكومية ممن قد يكون يولي وجهه للذي يعيش في اميركا ويسكن جنباتها.
 أما الدولة العثمانية وجدناها تتعامل مع الهجوم الأوروبي عليها تعامل الدروشة والتغافل، مستسلمة لأوروبا وواضعة قضاياه بين يديها، وسامحة بتغلغل رجالات أوروبا في مفاصل الدولة الرئيسية، حتى ذهبت ولايات الدولة واحدة تلو الأخرى وصولا لإلغاء الخلافة ذاتها، كما سمحت للإمتيازات الأجنبية، وسمحت بتدخل دول أوروبا لحماية ما سمي بالإقليات داخل الدولة، وعينت ولاة من غير المسلمين حكاما في لبنان، وتحكم سفراء الدول الأوروبية وخاصة ببريطانيا بقرارات الدولة إلى حد كبير...، وتراهم يرفضون حتى شكل الحكم في تركيا بحجة البرلمان والحكومة والدولة العلية كان لها مجلس المبعوثان والصدارة العظمى وغيرها وغيرها...
كما أن أردوغان يؤخذ له أنه علم كيف ومتى يتدخل عسكريا في قضايا المنطقة، بطريقة لا تجعله وحيدا في الميدان أو يمكن أن يكون تدخله سببا لتشكيل حلف يقضي على جيشه ودولته، كما أنه استوعب بعض الأزمات التي من شأنها كانت أن تدخل تركيا في مجهول الحروب العبثية كإسقاط الطائرة الروسية واعتيال السفير الروسي..،. في حين كانت الدولة العثمانية في أواخر أيامها ورغم ضعف الدولة تشن الحروب أو تدخل فيها وتخسرها، وآخرها دخولها الحرب العالمية الأولى إلى جانب المانيا حينها فكانت الخسارة الكبرى.
فعند بعضهم يكفي أن تسمي نفسك خليفة لتكون كل أفعالك مبررة مقبولة تهدف إلى حماية الدولة والكيان، ولو أدت هذه التصرفات إلى دمار الدولة وتفتيت الكيان وتمزيقه. ولكن من لم يتسمى باسم الخليفة والسلطان أفعاله مردودة عليه، ولو كانت ربع أفعال السلطان الأكبر والخليفة الأعظم، ولو أدت بالفعل لا بمجرد القول إلى حماية الدولة والكيان وعدم تمزيقه أكثر.
إن النوجه المشاعري في عملية فهم الأحداث السياسية أو الحكم عليها، يصيبنا في مقتل ولطالما أصبنا بهذه السهام المشاعرية المسمومة، فخطاب الرشيد للغمام مثلا لا يعنيني شيئا ما دام يخاطبه وهو مغتصب لسلطان الأمة، إذ عمليا وشرعيا يخاطبه بغير ذي صفة شرعية، وإن موقف عبدالحميد الثاني من مسألة فلسطين لم تحم فلسطين بل لم يستطع أن يحمي الآستانة نفسها من الهجوم الصاعق والكبير.
بعد كل الذي آلت إليه الأمور في منطقتنا، ينبغي القول بصدق أن على الحركات الإسلامية مراجعة أفكارها، إذ لم يعد مقبولا أن يبنى الموقف على مجموعة من المواقف التاريخية، فخطاب الرشيد مع الغمامة لا ينبغي أن ينسينا أنه ورث الحكم عن أخيه ثم أورثه لولديه وكأن السلطة ملك أبيه وأمه، ولا ينبغي لموقف عبدالحميد الثاني مع اليهود أن ينسينا أنه سمح بكل التدخلات الخارجية في شؤون الدولة العلية، وأنه لم يستطع أن ينقذ شيئا من الدولة أو المجتمع.
أما فوز أردوغان في الانتخابات الأخيرة، فهو أمر لا يحتاج إلى كثير تحليل وبحث، فهذا دليل نجاح حزب أردوغان في كسب تأييد الناس، وهذا معيار نجاح الأحزاب وإخفاقها، فسواء أيدت أردوغان أم عارضته، وافقت مشروعه السياسي والفكري أم رفضته، لا ينبغي أن يجعلك تتغافل على نجاحه الكبير والمذهل. وعلى باقي الحركات والأحزاب الإسلامية أن تتعلم دروسا ودروسا من تجربة أردوغان الناجحة، بدل بحثها عن القوة المادية لتنقض على الحكم وتغتصبه اغتصابا.
لقد تناولنا السلطان وكيفية مواجهة الهجمات الخارجية، لأنهما من أهم العوامل للحفاظ على الدولة والمجتمع، إذ عندما يكون السلطان ملك للأمة تمارسه بحق وتعطيه لمن تشاء، تكون السلطة السياسية القائمة في المجتمع قوية منسجمة مع تطلعات الناس وتوجهاتهم، وهذا ما يسمح لها أن تذهب بعيدا جدا في مواجهة التحديات الخارجية التي تهدد الوجود والكيان.
إن هذا المقال ليس تطبيلا لأردوغان، ولا ينبغي أن تكون سياسة التطبيل للحاكم موجودة في الأمم الناهضة والمجتمعات الراقية، ومع اختلافنا مع أردوغان بكثير من القضايا، فهذا لا يمنع أن نكون معه عندما يقوم بعمل يهدف إلى حماية تركيا أو تقويتها، بل ينبغي أن نشد على يديه أن حمى تركيا في منطقة مشتعلة تتشظى كل دولة فيها إلى دول وكيانات، وهذا لا يمنع أن تنتقد أردوغان فيما تراه مخطئا به، بل هو تجسيد حقيقي بأنك جزء من هذه الأمة التي تملك سلطانها.
ونداء أخير إلى الحركات الإسلامية خاصة، نحن أمة مثخنة بالجراح، فنحن لم نبرأ من الجراح القديمة حتى فتكت بنا جراح وجراح جديدة أشد قسوة وقوة، وأكثر عمقا وفتكا في جسد الأمة، فالأمة بواقعها الحالي غير قادرة على تحمل أعباء كبيرة وعظيمة تريدونها منها، فهي أي الأمة غير قادرة على حماية نفسها وأراضيها ولا تملك قرارها، لتطلبوا منها فتح روما أو محاصرة واشنطن أو محاربة الشرق والغرب وفتح جبهات ومعارك...
الأمة متعبة...، فهي منذ قرون لم تهنأ بعيش هادئ طبيعي، فرأفة بها وبكم أعيدوا تنظيم صفوفكم وأعيدوا قراءة فكركم واجعلوا هدفكم الوحيد الأمة والأمة فقط، فهي التي يمكنها أن تحملكم إلى السلطة بشرعية كاملة، وهي القادرة على مواجهة التحديات الكبرى، فأنتم بدونها لا شيء. 

الحقوقي عمر حمود خاص ل هيرابوليس

شارك الموضوع عبر :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة © 2018 ل Hierapolis | هيرابوليس