اكتب ما تود البحث عنه
المستجدات
جاري التحميل ...
معذرة، الصفحة التي طلبتها غير موجودة.

الاثنين، 16 يوليو 2018

الثورة السورية والجهل القاتل




         عمر حمود : حقوقي لبناني






لعلها تكون حدث القرن بلا منازع، إن لم نقل حدث القرون والأزمان كلها، ليس سهلا أو عاديا أن يخرج الناس في سوريا التي كان خبز أهلها اليومي اعتقالات وتعذيب وقتل ممنهج، ليس سهلا أو عاديا أن يخرجوا ليهتفوا للحرية.
 لا زالت صرخة ذاك الرجل على باب المسجد الأموي في دمشق في ساعات الثورة الأولى تدوي في مسامعنا، يصرخ بصوت يخرج من أعماق أعماقه قائلا: "بدنا حرية"، فتخرج من فمه الكلمات لتتحول إلى مشروع يهدف تغيير مستقبل الشام وكل سوريا، كانت أشبه بصرخة طفل حديث الولادة يعلن فيها أن الشعب هنا ما زال حيا، لم تقوَ جميع آلات التعذيب وأساليب القمع الأسدية على قتله، لم تستطع عصابة لا يقيدها قانون أو تمنعها قيم أو تحسب حسابا لموقف أن تمنع ولادة تلك الصرخة، وإنه سيكون لهذه الصرخة صدى يتردد في كل مدن سوريا وقراها.
وهكذا كان، وتُلقفت الثورة في سوريا كرجل رزق بمولود بعد انتظار دام أربعين سنة من حكم آل الأسد، وها هو المولود يخرج حيا من رحم الظلم والمعاناة والمآسي، ليعلن أن عهد الظلم والتسلط والطائفية أوشك على الانتهاء، يخرج من بين جدران تدمر والمزة وفرع فلسطين ليبني سوريا جديدة لا وجود فيها للمخابرات والتحقيقات وأنواع التعذيب الوحشي، يخرج هذا المولود وكأنه موسى هذا الزمان الذي سيخرجنا جميعا من جحيم فرعون سوريا. وكبر المولود وبلغ أشده وأصبح شعبا بكامله  يزأر ليقض مضاجع أعتى عصابة  مرت في  التاريخ البشري.
إن الثورات ليست طريقا للنهوض بالشعوب، إذ إن الذي ينهض بالشعب هي الأفكار وحسب، ويتأكد هذا الأمر في ثورة الشعب في سوريا، إذ إن هذا الشعب الذي بقي تحت سياط آل الأسد أربعين عاما، محروما من أبسط حقوقه السياسية، ممنوعا من النشاط الفكري أو السياسي وحتى الجمعي أو الرياضي، لا يمكن له أن يتحمل مشكلات أمة بكاملها، ويوضع على كاهله مهمة تنوء بحملها الأمة بجميع أطيافها من المحيط إلى المحيط. 

كان المولود يكبر كل جمعة حيا أو قرية أو حتى مدينة، فالثورات لا تقاس  بالأيام والسنوات، كان يشتد عظمه مع كل هتاف يعانق سماء الحرية، فالقوة هنا تقاس بالجرأة أكثر على مواجهة الطغاة، كانت المظاهرات أقرب إلى فرق زفة تحتفل بعقد قران المولود الجديد على معشوقته الحرية.


 ولكن...، وفي أوطاننا قلما يمر حدث بدون هذه الكلمة "ولكن"، ولكن رصاص الجهل كان أقرب إلى العريس الثائر، ولترتدي "الحرية" ثوب الزفاف المغطى باللون الأحمر، وتجلس على تلال الأشلاء البشرية. ولا خوف على الحرية من العنوسة، بل الخوف على الشعوب أن ترضى بالتبتل والرهبنة، وتعود إلى سجنها الذي لم تألفه يوما، وما أصعب أيها الناس أن يصبح الماضي المظلم هو أمل النور الخارج من جباه الثوار.

ولئن كان فرعون مصر عجز عن مواجهة موسى، فإن فرعون سوريا نجح إلى حد كبير في الإستفادة من عدة عوامل موجودة في الثورة، وصنع هو أو ساهم بصناعة وإيجاد عوامل أخرى، ليتشكل أمامنا ثلاثة عوامل كانت المقتل الحقيقي للثورة في سوريا.

العامل الأول: عدم وجود قيادة موحدة للثورة، تحمل هدفا بسيطا واحدا، بعيدا عن المشاريع السياسية العظمى والرؤى الاقتصادية الكبرى، فالشعب هنا لم يثر بناء لحركة فكرية عصفت بتفكيره، أو لأزمة اقتصادية ألمت بمقتضيات حياته، بل كان تحركه يحاكي تحركات الشعوب الأخرى في تونس ومصر وليبيا، مستغلة وضعا دوليا ساهم بشكل أو بآخر بدعم تلك التحركات، لم تقم هذه الثورة بناء لنضال سياسي مرير توج بهذا التحركات الشعبية لتكن مرحلة من مراحل إسقاط نظام قل نظيره في الظلم والتبعية،  فكان يجب أن تستغل هذه المرحلة، وأن لا يضيع الشعب بين الشعارات والخطابات، وأن يسعى لإزاحة آل الأسد عن السلطة وحسب، وهذا ما كان يقتضي وجود قيادة موحدة للثورة تفاوض على هذا الأساس وتعمل عليه.

العامل الثاني: العمل المسلح والذي يعتبر المقتل الأساسي للثورة، ليس من باب عجز الفصائل عسكريا عن إسقاط النظام، بل هذا أمر كان ممكن الحصول لكن دونه تضحيات كبيرة جدا، إلا أن هذا العمل هو الذي جعل الدول الإقليمية تمسك بزمام الثورة خاصة بعد تحولها إلى ثورة مسلحة بالكامل، وأصبح قرار الثورة بأيدي هذه الدول بشكل كامل، وحينها أصبحت الثورة جزءا من المخطط الكبير للمنطقة، سواء بتدمير قوى الدول الموجودة، أو بتقسيم هذه الدول على أساس عرقي أو مذهبي أو مناطقي. وهذا ما ظهر جليا مثلا في دخول بعض البلدات العلوية في الشمال السوري ثم الخروج منها بناء على طلب تركيا، أو الخروج من مطار الثعلة الواقع ضمن السيطرة الدرزية بعد مطلب الأردن بذلك، أو بسكوت جبهة الغوطة ودرعا وهما الجبهتان اللتان كانتا تهددان نظام الأسد جديا.
كما كان لهذا العامل نتائج قاتلة على صعيد وحدة موقف المعارضة، فأصبحت الثورة فصائل مختلفة الولاء والتوجهات متناقضة الخلفيات، ما ساهم بإضعاف موقف المعارضة أكثر وأكثر، كما أن الأسد أنشأ مجموعة "معارضات" ألزمت القوى الإقليمية والدولية المعارضة الحقيقية بالقبول بها ضمن صفوف الثوار والمعارضين.
هذا العامل جعل الثورة تقترب أكثر من حرب داخلية بين طرفين، فالشعب الثائر على الأسد الذي ملأ الساحات غضبا والفضاء هتافا، ترك البلاد إما إلى دول الجوار أو إلى مناطق سيطرة النظام، وبقي القليل القليل مع الفصائل المسلحة يعانون من حصار قاتل.
العامل الأخير: الحركات الإسلامية وعلى رأسهم تنظيم الدولة، وهنا يبرز دور الأسد وإيران واضحين في تسهيل وجود هذا العامل، فالأسد في الوقت الذي كان يترك المتظاهرين يموتون جوعا أو مرضا أو تحت التعذيب في سجونه، كان يطلق شباب الحركات الإسلامية وقيادييها الذين يقبعون في السجون لديه، وسهل من جانب آخر دخول هذه القوى على بعض المناطق والسيطرة عليها.

وكعادة الحركات الإسلامية ذهبت إلى ما يريده خصمها وعدوها، كما فعلت في أفغانستان والعراق والشيشان والبوسنة

 فرفعت راياتها، وأطلقت شعاراتها بفتح روما وكل العالم، وأنها في أرض الشام المباركة التي ستغير وجه العالم وتقضي على النظام العالمي لتقيم دولتها.
كما حمل هؤلاء الثورة السورية ما تحتمل، وأرادوا لها دورا ليست مؤهلة له، فالشعب بالكاد انتفض بعدما عانى الويلات خلال سنوات عجاف على كل المستويات، عله ينهي هذا النظام الجائر، ليجد نفسه بعدما كان يظلمه الأسد وحسب، أن العالم والأسد وحتى الثوار أنفسهم يمارسون الظلم على هذا الشعب وعلى هذه الثورة.
إن ظهور هذه الحركات وتصرفاتها، ومن ثم الضربات في أوروبا من قبل تنظيم الدولة أو ما نسب إليه منها، جعل العالم يغير اللهجة من الأسد خاصة أوروبا، ما شكل للاسد طوق النجاة الذي ساهم بصنعه بذكاء شديد ونفذته الحركات الإسلامية بغباء قل نظيره.
إن مقالي هذا ليس تحليلا سياسيا لطبيعة الثورات وأهدافها عند من دعمها وأيدها من الأنطمة والدول، بل هو قراءة موضوعية لسير الثورة أو للطريق التي أريد لها أن تسلكه.
ورغم كل ما جرى، وبالرغم من تدمير سوريا وتهجير أهلها، سيبقى السوريون أعظم شعب ثار على أعتى عصابة في تاريخ البشرية، وستبقى صرخات شعبه وهتافات شبابه لحنا يعزف في احتفالات الشعوب المنتصرة على طغاة الأرض وطواغيتها، وستبقى دماؤه المسفوكة ظلما ترسم أملا للمستقبل لم يمت ولن يموت أبدا.

إقرأ أيضا :



شارك الموضوع عبر :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة © 2018 ل Hierapolis | هيرابوليس