اكتب ما تود البحث عنه
المستجدات
جاري التحميل ...
معذرة، الصفحة التي طلبتها غير موجودة.

الاثنين، 21 يناير 2019

تفاهمات منبج ترسم مستقبل المنطقة


محمد المحمد- كاتب سياسي سوري

سال كثير من الحبر فيما يتعلّق بمدينة منبج الواقعة شمال شرق حلب، ولايعود ذلك لأهميّة المدينة فحسب إنّما لما بعد منبج، فما سيحدث في منبج سيكشف كثيراً من خطوط السّياسة الإقليميّة والدّوليّة فيما يتعلق بمستقبل سورية عموماً والمنطقة الشّرقيّة خصوصاً.
وقد تضاربت الأنباء حول انسحاب الأمريكان من المدينة عقب قرار الرّئيس الأمريكي ترامب الانسحاب من سورية، وقيام القوّات الكرديّة تسليم مدينة منبج لطلائع من قوّات النّظام السّوري التي رفعت علمها، وقد طبّلت وسائل إعلام النّظام لذلك الادعاء. لكنّ المؤكّد أنّ قوّات الحماية الكرديّة لم تغادر المدينة وأنّ قوّات النّظام السّوري مازالت ترابط بعيداً عنها في الجنوب، ولا تجرؤ التّقدّم خطوة واحدة قبل حصول تفاهمات إقليميّة دوليّة حول منبج والمنطقة، وهذا يحمل بشارة غير كاملة لأهالي منبج من جهة ضمان عدم حدوث معارك جديدة في المدينة تدمّر ما لم يُدمّر في الحروب السّابقة.

ورغم ذلك يخشى الغالبيّة السّاحقة من قاطني منبج دخول قوّات النّظام، ونؤكد هنا على كلمة "قاطني منبج" لا أهالي منبج لأنّ المدينة تستوعب من النّازحين أكثر من سكّانها الأصليّين فكلمة "قاطني منبج" تشمل الوافدين والأصليين.

مبعث الخشية أمران السّوق للتّجنيد الإجباري والخدمة الاحتياطيّة، والملاحقة الأمنيّة
ومبعث الخشية أمران السّوق للتّجنيد الإجباري والخدمة الاحتياطيّة، والملاحقة الأمنيّة، وتشهد الغوطة الشّرقيّة وأحياء حلب الشّرقيّة على هذا السيناريو المرّ الذي تلجأ له قوّات النّظام في كلّ منطقة تسيطر عليها، ناهيك عن عمليات الهجرة والنّزوح التي ستحصل في المدينة إذ أكثر نسبة من الشّباب موجودة في مدينة منبج، وتتخذ تركيا "النّزوح" مبرراً لدخولها المدينة أو منع دخول قوّات النّظام وأجهزته الأمنيّة دون معارضة عودة الدّوائر المدنيّة والخدميّة، فلا يكفي من وجهة نظر الأتراك طرد التّنظيمات "الإرهابيّة" إذا لم يتبع ذلك عودة أهالي المدينة وذلك غير ممكن في حال سيطرة النّظام العسكريّة، وتتّخذ تركيا من عودة الآلاف للريف الشّمالي عقب طرد "داعش" دليلاً على حجتها.

فيما يجهد الرّوس من أجل عودة سلطة النّظام على كامل الجغرافيا السّوريّة لا منبج فقط، وهذه سياسة الرّوس من لحظة دخولهم عسكريّاً إلى سورية ولم تتغيّر رغم اتّفاقات أستانة.

ولا يغيب عن المشهد الدّور الأمريكي إذ ليس بإمكان "قسد" تسليم المدينة للنّظام السّوري دون موافقة الولايات المتّحدة، وهذا ما يفسّر كثافة المباحثات بين الأمريكان والأتراك ونعتقد هنا أنّ الولايات المتحدة ستقدّم لتركيا حلّاً يريضيها ويوافق عليه الرّوس، ولا سيما أنّ الدّور التّركي في تصاعد وكذلك حاجة الولايات المتّحدة لها في ازدياد سواء في ملف "الإرهاب" أو غيره، ولا سيما عقب خروجها المزمع من سورية لاحقاً.

ولن يعارض الرّوس في النّهاية دخول الأتراك، المدينة ومدن الشّريط الحدودي، بشكل يتفقان عليه، في هذه المرحلة، شريطة عودة سلطة النظام للرقة والشّرق السّوري عموماً، وستجد تركيا ذلك منسجماً مع هدفها الرّئيس المتمثّل إقصاء قوّات "الحماية الكرديّة" المتّهمة بالتّبعيّة لحزب العمال "الإرهابي" عن المشهد السّوري سياسيّاً وعسكريّاً، ويبقى استمرار الوضع الراهن في منبج أو دخول قوات عربية قائماً ومنسجماً مع سياسة التحالف بالضغط على جميع الأطراف.

فاللعبة في منبج الآن لعبة سياسة مصالح بين الدّول الإقليميّة والدّوليّة، ويبدو الخاسر الأكبر فيها قوّات الحماية الكرديّة التي تشعر بالخذلان بعد أن قدّمت الكثير للولايات المتحدّة، واستنزافها في معارك داعش وغيرها.

وما يُؤسف له تغييب أهالي منبج أصحاب الأرض عن هذه اللعبة السّياسيّة رغم معاناتهم الكبيرة على امتداد السّنوات المنصرمة إذ عانت المدينة من حكم "داعش" وتعاني حالياً من حكم "قسد" وقد يتعجّب المتابع الخارجي من غياب معارضة داخليّة في منبج لحكم القوّات الكرديّة الذي يتّسم بالعنصريّة رغم أنّ العرب يشكّلون الغالبيّة السّاحقة. 

وقد تميّز أهل منبج منذ انطلاق الثّورة بهذا الوعي السّياسي حيث نشطت الأحزاب والحركات السّياسيّة والصّحافة والأعمال والمبادرات الوطنيّة الطّوعيّة
مرجع ذلك الهدوء والقبول لقوّات الحماية الكرديّة الخوف من البديل إذ يتخوّف أهالي منبج من حلول النّظام السّوري مكان القوّات الكرديّة، فمنبع الهدوء قراءة متّزنة للواقع السّياسي ولم يمنع ذلك تعبير أهالي منبج في مناسبات كثيرة رفضهم لقوّات الحماية الكرديّة سواء عبر الإضراب أو المظاهرات، وقد تميّز أهل منبج منذ انطلاق الثّورة بهذا الوعي السّياسي حيث نشطت الأحزاب والحركات السّياسيّة والصّحافة والأعمال والمبادرات الوطنيّة الطّوعيّة، وتمّ الحفاظ على كافة المرافق الخدميّة والدّوائر الحكوميّة باعتبارها مؤسسات للشعب السّوري لا النّظام فسارت عجلة الحياة بانسيابيّة، فكانت منبج حقّاً أنموذجاً واعداً لم يتحقق لسورية المستقبل.

حضرت المدينة على خارطة اللاعبين الإقليميين والدّوليين جغرافياً، وغاب أهلها عن المشهد، أهلها الذين يأملون حلّاً يحقن دماءهم ولا يهجّرهم.

شارك الموضوع عبر :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة © 2018 ل Hierapolis | هيرابوليس