اكتب ما تود البحث عنه
المستجدات
جاري التحميل ...
معذرة، الصفحة التي طلبتها غير موجودة.

الخميس، 7 مارس 2019

نحن نسير بسرعة أعظم من الحرية للعبودية

صورة تعبيرية

هيرابوليس- جاسم السيد

 نقل مؤرخ الثورة الفرنسية "ألبير سوبول" عن أحد قادة الثورة قوله: " لقد انتقلنا بسرعة من العبودية إلى الحرية، ونحن نسير بسرعة أعظم من الحرية إلى العبودية." ويقصد السياسي الفرنسي أن الفوضى التي سادت بعيد الثورة الفرنسية سرعان ما قضت على منجزات الثورة، حتى أصبح الناس راضين بعودة العبودية السياسية التي كانوا يعيشونها قبل الثورة، بسبب ما عانوه من انفلات وتهديد لحياتهم الشخصية والاجتماعية.

واجه الثوار الفرنسيون الخيار الصعب الذي تواجهه الثورة السورية، فآثروا الحفاظ على وجود الدولة على الاستمرار في حُمّى الثورة، بعد أن تحولت الثورة فوضى عارمة.

لقد سلم الثوار الفرنسيون أمرهم إلى قائد عسكري مستبد هو نابليون بونابرت، من أجل إنقاذهم من أنفسهم، ومن صراعاتهم وأنانيتهم السياسية، فحول نابليون حصاد الثورة الفرنسية إلى قضية شخصية تحت لواء الإمبراطورية.

تحولت الثورة الفرنسية إلى مشروع شخصي إمبراطوري، والدروب الدموية التي سلكتها خلال ثمانين عاماً، على أن الفوضى مهلكة للقيم السياسية، وأنها أوسع الأبواب التي يمكن أن يعود منها الاستبداد عودة مظفرة، محمولاً على أكتاف أولئك الذين ثاروا عليه.

ما هي القيم التي حملها السوريون في ثورتهم؟

لعلّ أولى القيم وأهمها التي حملها السوريون منذ اليوم الأول في ثورتهم هي الحرية، ودفعوا ثمنها عشرات آلاف الشهداء، وملايين النازحين والمُهجرين، وتدمير مدن بأكملها. لقد أدرك السوريون أن الحرية تستحق كل هذه التضحيات للتخلص من نظام الاستبداد الذي ظل جاثمن فوق صدورهم لعقود، فلم يبخلوا في تقديم الغالي والرخيص في سبيل نيل حريتهم والتخلص من الاستبداد.

تحقق للسوريين جزءً مما كانوا يطمحون إليه، فتحررت بعض المناطق وأصبحت تحت سيطرة الثوار، ولكن أين الحرية.؟

لقد دخل المجتمع الثوري في صراع ذاتي بين المحافظة على أهم قيمة حملتها الثورة السورية –الحرية- وبين التخلي عنها في هذه المرحلة بحجة وجود تهديد على المناطق المحررة، وحالياً وكما هو واضح تم التخلي عن الخيار الأول لحساب الخيار الثاني.
بالعودة مرة أخرى إلى التاريخ نجد عندما يتم التخلي عن القيم الأساسية التي يخرج بها الناس للانتقال من الاستبداد والفوضى إلى بناء السلطة الشرعية، أنه بحجة الضرورة والأمر الواقع والتهديد الخارجي، وتمزق الأمة .... تترسخ قيم الاستبداد، وتصبح العودة للطالبة بالقيم الأولى جريمة عقوبتها الموت، وهذا ما حدث في التاريخ الإسلامي بعد الخلافة الراشدة.

إن أصحاب الخيار الثاني-التخلي عن الحرية- يتذرعون بأن بناء الدولة والنظام والانتقال من حالة الفوضى يحتاج إلى الاستبداد لكي يتم فرض القانون على الناس، والحرية قد تقف عائقاً أمامهم وتمنعهم من بناء الدولة، وهذا الرأي فيه شيء من الصواب إذا ما اقترن بشيء آخر أكثر أهمية وهو خضوع السلطة نفسها للقانون، فهنا على الأقل لن يسمح بارتكاب تجاوزات بحق المواطنين، ولا صناعة مستبدين جدد.

عبر "جيمس ماديسون" أبو الدستور الأمريكي ومنظّر الثورة الأمريكية عن ذلك بقوله: " يجب تمكين الحكومة من السيطرة على المحكومين أولاً، ثم إجبارها على السيطرة على نفسها". فالسيطرة على المحكومين تعني منع الفوضى التي لا تقوم للدولة قائمة معها، وسيطرة الدولة على نفسها تعني حكم القانون بديلاً عن هوى الحاكم الفرد.

 يقول سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: "قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ". سورة الأنعام ٦٥.
فسر عبد الله بن عباس رضي الله عنه العذاب الذي يصيب المجتمعات من فوق بأنه " ولاة الجور" أي حكام الاستبداد، والعذاب الذي يصيبها من تحت بأنه "سفلة القوم"، أي تسلط حثالة المجتمع على رقاب الناس في ظروف الفوضى.

ننوه هنا أن هذا التفسير لابن عباس رضي الله عنه ضروري لمجتمع الثوار للوقوف بحزم في وجه "سفلة القوم" حتى لا يفرطوا بأهداف الثورة التي دُفِع ثمنها باهظاً، وحينما تُخير الشعوب بين العذاب من فوقها(الاستبداد) والعذاب من تحتها (الفوضى) فهي تميل غالباً إلى اختيار الاستبداد، باعتباره أخف الضرّين وخير الشرين، وهذا ما يحاول أعداء الثورة ترسيخه عبر نشر الفوضى في المناطق المحررة بغية العودة إلى مربع الاستبداد الأول وهو نظام الأسد.

تحتاج الثورة في هذه المرحلة مراجعة حقيقية، والاستفادة من حالات النجاح والفشل التي مرت بها خلال السنوات الماضية، النجاح الذي حققته كان تمسكها بالقيم الثورية الأولى، يتم العمل بها من جديد ونشرها بين الناس بشكل صحيح من خلال الممارسة الحقيقية، ومعالجة الفشل تكون عبر إدراك أهمية القيم الثورية، والوقوف بحزم في وجه أولئك السفلة الذين بقصد أو دونه يخدمون أعداء الثورة.

هناك الكثير من النقاط الهامة التي يجب التركيز عليها نتركها لأصحاب الاختصاص والرأي يطرحوها للنقاش بغية الوصول للهدف المنشود.

* المرجع: كتاب الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية من الفتنة الكبرى إلى الربيع العربي.
الدكتور محمد المختار الشنقيطي







شارك الموضوع عبر :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة © 2018 ل Hierapolis | هيرابوليس