اكتب ما تود البحث عنه
المستجدات
جاري التحميل ...
معذرة، الصفحة التي طلبتها غير موجودة.

الاثنين، 6 مايو 2019

عندما يولد الطغاة من رحم الثورات


خاص لـ هيرابوليس - عمر حمود 

ربما تكون قصة السفينة التي تعطلت ولم يعرف ربانها وطاقمه إصلاحها برغم جهودهم
المبذولة في هذا السياق، واضطرارهم لاستدعاء خبير في السفن ليقوم بالمهمة، بحيث
نزل هذا الخبير وطرق بمطرقته ضربات خفيفة على مكان محدد فيها، فعادت السفينة
إلى حركتها الطبيعية، لتكون فاتورة إصلاحها ألف جنيه. قال له الربان: هذه الف جنيه
ولكن أخبرني لمَ هذا المبلغ الطائل رغم أنك لم تفعل شيئا صعبا أو معقدا، فأجابه: جنيه
واحد للضربات الخفيفات و999 جنيها لمعرفة أين يجب أن تطرق وكيف...
لعل هذه القصة تختصر إلى حد كبير واقع الثورات العربية وما آلت إليه، فكل الشعوب
خرجت تريد رفع الظلم الذي يطبق على صدورهم منذ عقود، وذلك من خلال انتزاع
السلطة من مغتصبيها وإعادتها إلى الشعب المكان الطبيعي لها. هذه الشعوب التي
امتلكت في كثير من الأحيان القوة الكافية للطرق، إلا أنه كان ينقصها معرفة المكان
الذي يجب أن يطرق عليه وكيف يتم ذلك.

إن من أبرز المفاهيم السياسية التي يجب أن تتركز في الأمة والمجتمع، وأن لا تقبل
الأمة تنازلا عنها مهما بلغت التضحيات، أن تكون السلطة لها بداية ونهاية، أي أن تملك
قدرة تسليم الحكم لمن تشاء، وأن تبقى بعد ذاك التسليم تمتلك السلطة بحيث حين انتهاء
مدة التفويض تعود السلطة لها، ولها فقط لتعيد منحها لمن تشاء 

إن هذه القاعدة التي تتحكم إلى حد بعيد بمسار المجتمعات الراقية

 قد تنعدم في مجتمعاتنا نحن وكل المجتمعات المتخلفة، فتجد الأمة لا تسأل عن حقها في اختيار الحاكم، وعن
حقها كذلك فيما يحكم وكيف يحكم، فالظلم والويلات التي تعاني منها مجتمعاتنا جعل
أقصى ما يمكن أن تطمح إليه هذه المجتمعات أن تتخلص من الحاكم الظالم ولو بظالم
آخر، عله يكون أخف وطأة وأهون فتكا.

إلا أننا رغم تلك المعاناة التي ما زالت مستمرة قد فشلنا فشلا ذريعا كأمة في استعادة
السلطة من يد مغتصبيها من خلال انتفاضات وثورات هذه الشعوب، وذلك يعود لأسباب
عديدة: فمن التدخل الخارجي إلى القوى المتحكمة بالثورة والتحركات على الأرض، إلى
عدم تنظيم الحراك والتظاهرات تنظيما دقيقا بحيث تحدد غاياتها وأهدافها بدقة، إلى
دخول الإسلاميين على مسار هذه التحركات وما انتج من مصائب وويلات، حيث شكلوا
بغبائهم طوق النجاة لكثير من الأنظمة مما أدى إلى بقاء بعض الحكام رغم ثورة الشعب
كله عليه.

هذه الأسباب ليست أسبابا بنيوية في طبيعة الثورات

 فالخلل هنا ناتج عن ضعف أو قلة وعي أو خطأ حسابات، أو قل عن عدم دراية وخبرة كافية...، إلا أن السبب البنيوي
الرئيس الذي عانت منه الثورات وأدى إلى الفشل الذريع في انتزاع السلطة أو حتى في
إضعاف مغتصبيها، هو عدم معرفة أين يجب أن نطرق، أي عدم معرفة أين يجب أن
تتوجه الجهود من خلال هذه الثورات لانتزاع السلطة من اليد الحقيقية التي تمسك بها، لا
القوة التي يجب أن نطرق بها.

صحيح أن السلطة للشعب، ولكن حتى في الأمم الراقية التي تمتلك الشعوب فيه للسلطان،
يتمظهر هذا الامتلاك من خلال فئات مجتمعية محددة، قد تكون تحكم السيطرة على
المجتمع من خلال تقاطع مصالحها مع مصالح الناس العاديين، فالسلطة في أميركا مثلا
بيد الشعب ولكن تتمظهر من خلال الشركات الكبرى والمتوسطة، التي تعتبر هي
اقتصاد أميركا ومصدر قوتها، وسبب هناءة الأميركيين في عيش رغيد ورفاهية كبيرة،
بمعنى أن السلطة هنا تتمظهر بشكل طوعي وإرادي من خلال ما يؤمن به الناس.
أما عندنا فالسلطة مغتصبة مخطوفة من قبل الأنظمة القائمة، ولكنها ليست كما يظهر لنا
أو كما يُراد أن يظهر لنا، أنها بيد الرئيس أو مؤسسات الدولة السياسية الرسمية، وهذه
المعرفة ليست ترفا ثوريا أو موقفا هامشيا، بل هي حجر الزاوية في نجاح اي تحرك
يهدف للإسقاط نظام ما.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى معرفة أين يجب أن يطرق المتظاهرون وعلى أي جنب يجب
أن يسيروا، وأين يجب أن يركزوا تحركاتهم سواء كانت السلمية منها أم العسكرية،
ولإدراك ذلك يجب أن يبحثوا بحثا واقعيا بعيدا عن الفرضيات والمنطق عن مكان
السلطة الحقيقي ومن يمتلكها فعلا في هذا المجتمع. ولأن الثوار لم يكن لهم باع طويلة
في الفكر السياسي، ولأن حركتهم كانت مجرد فورات غير مرتبطة بمشروع وأهداف
واضحة، ولأنهم لم يكونوا موحدين على هذه الأهداف، لم يلتفتوا إلى هذا الأمر المهم جدا
والذي أدى إلى عدم سقوط الأنظمة في كل البلاد العربية الثائرة رغم سقوط الرؤساء في
بعضها، ووضعهم في السجون والإقامات الجبرية، واستمرار السلطة بيد مغتصبيها
الحقيقيين.

ففي مصر والجزائر والسودان تتمظهر السلطة في الجيش حقيقة وليس في الرؤساء، لذا
فاسقاط الحاكم لا يعني شيئا، بل وهذا ما حصل حيث شارك الجيش في قلع مبارك
والبشير وبوتفليقة لأنهم واجهة للحكم الحقيقي الذي يمارسه الجيش في هذه البلدان. وكان
ينبغي كي تكون الثورة ثورة حقيقية تستهدف الحكم ليتم فعلا إعادة السلطة إلى أهلها كان

يجب نزعها من الجيش، لا أن يشارك الجيش القابض على الحكم حقيقية في مسرحية

إسقاط الرؤساء والانحياز الشكلي للشعب لللإبقاء على الوضع كما هو، ومن ثم جعل
الجيش وكل القوى العسكرية خاضعة لها فيما بعد، لا أن يكون الجيش هو الذي ينطلق
لممارسة السلطة عمليا وفعليا بغطاء شعبي من خلال الإلتفاف حول مطالب الشعوب
باستعادة حقهم المسلوب.
أما في سوريا فالسلطة بيد آال الأسد والعلويين، وليست بيد الجيش أو الوزراء أو النواب
أو المخابرات أو حتى نائب الرئيس ورئيس الوزراء، وهذا ما حصل حيث انشق رئيس
الوزراء عن النظام ولم يهتز النظام، وانشق وانهار الجيش كله تقريبا ولم يهتز النظام
وإن كان قد ضعفت حمايته التي كان يؤمنها له الجيش، وثار الشعب كله في سوريا على
هذه العصابة ولم تستطع أن تنتزع السلطة، والسبب الرئيس أنهم لم يتوجهوا إلى من
يملكها حقيقة ولو بوجه غير شرعي، فانشقاق ضابط علوي واحد كان يهدد النظام أكثر
من انشقاق كل الضباط السنة حيث أنهم لا وزن لهم في الجيش أو في المعادلة السياسية
الداخلية، لذا حرص النظام على الإبقاء على مناطقه الطائفية ومناطق سكنى ما يطلق
عليها القليات الكتحالفة معه، ودافع عنها بشراسة وأحيانا بدعم إقليمي خارجي، للدفاع
عنها واسترجاع مناطق العلويين فورا إن سيطر عليها الثوار، كما حصل في معركة
كسب وغيرها.

 في لبنان تتمظهر السلطة في الطوائف

وليس في رجال السياسة أو رجال الدين أو المؤسسات الرسمية السياسية، لذا تجد من يرفع الشعارات الطائفية المذهبية يدخل الحياة
السياسية بقوة ومن لا يفعل يبقى بعيدا عنها لا أثر له ولا تأثير.
وهذا ما نجح أردوغان في التعامل معه، حيث أن الجيش التركي كان هو من يملك
السلطة حقيقة، إلا أن أردوغان استطاع بطريقة أو بأخرى، وليس هنا مجال كيفية نجاح
أردوغان، من سحب السلطة من الجيش واستكمل هذا الأمر بالانقلاب الفاشل حيث
أضعف إلى حد كبير تأثير الجيش في السياسة التركية...

إن هذا ليس سردا لواقع لا أثر له في عملية التغيير، بل هو معلم جوهري ومهم في
طريق التغيير، ولا يمكن لأي أحد مهما بلغ من قوة شعبية أو مادية، أن يستطيع أن يحقق
ما يريد من رفع الظلم واستعادة السلطة إلا إن أدرك ذلك إدراك واقعيا بعيدا عن
الفرضيات والمنطق والشعارات...
إن هذا الاستعراض البسيط يؤكد أن أحد أهم أسباب فشل الثورات في إسقاط الأنظمة
إسقاطا حقيقيا هو عدم معرفة مكامن السلطة الحقيقية لانتزاعها، لأن هذا الأمر حال دون
تهديد من يغتصبون السلطة حقيقة، لنصل إلى ما آلت إليه الأمور من ولادة طغاة جدد

من رحم الثورات، حيث عمدت الجيوش إلى خداع الشعوب بشعارات وهمية أدت إلى
إبقاء السلطة بيدهم، لا بل ازدات شرعية من خلال تأييد الناس لهم لا بل مطالبتهم أحيانا
بالتدخل لإسقاط الرؤساء والأنطمة، في حين كان يجب أن تتوجه الشعوب إلى الجيوش
لتسليم الحكم والسلطة إلى الشعب، وعودة الجيوش إلى ثكانتها وخضوعها بشكل كامل
للسلطة السياسية الجديدة المنبثقة من الشعب.
لا يمكن لرحم ثورة حقيقية أن يحمل طاغية جديدا، إلا إن كان الرحم مستعارا والنطفة
ليست من ظهر هذا الشعب وآلامه، لا يمكن لرحم الثورة أن يلد طاغوتا جديدا إلا بحالة
اغتصاب الثورة والشعب معا من يقبضون على السلطة حقيقة بيد من نار، وذلك كله
بسبب جهلنا وعدم درايتنا في قضايا الحكم والسلطة، وكيف يمكن أن نُستدرج بكل
بساطة لنعيش نحن الذين عشنا آلام حياة الطغاة وبطشهم بنا، لنعيش مرة أخرى آلام
مخاض ولادة طاغية جديد نترحم فيه على من سبقه من طغاة لا زالت ظهور شبابنا تئن
من آلام سياطهم، فالثورات الحقيقية التي تعيش في رحم الأمة وتغذى بالوعي السياسي
وفهم الواقع الدقيق لا يمكن إلا أن تلد حرية وتحررا، إلا أن تعرض الناس لأشعة الجهل
القاتلة خلال فترة حملها شوَّه ذاك الجنين الذي لطالما انتظرته شعوبنا، وشوه الثورة

والثوار.

شارك الموضوع عبر :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة © 2018 ل Hierapolis | هيرابوليس